أخبار أهل العباسيّة

 
الحياة الشعبية في القرية الطعام

بلادنا فلسطين وعلى الرغم من صغر مساحتها تضم في أرجائها بيئات مختلفة فيها الصحراء والجبل والغور والساحل والسهول الداخلية ولكل إقليم من هذه الأقاليم ميزات خاصة من ناحية المناخ وطبيعة الأرض فتمايزت هذه البيئات عن بعضها البعض فيما توفره لسكانها من موارد العيش فما يتوفر لسكان الصحراء غير ما يتوفر لسكان الجبال غير ما يتيسر لسكان السهول والسواحل خاصة وأن وسائل النقل وتبادل المنتجات لم تكن متيسرة ولا تستطيع تلبية حاجات التبادل الغذائي كما هو الحال الآن .: والطعام اليومي في فلسطين عموما بسيط يتألف عادة من عناصر من الحبوب والألبان والخضار والفواكه والنباتات الطبيعية وباختصار ما تنتجه الأرض الطيبة من منتجات تسمح بها طبيعة الإقليم المناخية وطبيعة الأرض وتوفر المياه وغيرها من العوامل الطبيعية التي تتحكم بإنتاج الإقليم. وأما بالنسبة للبلدة فهي كما هو معلوم تقع في منتصف السهل الساحلي أخصب البقاع في الأراضي ومواردها المائية من الآبار الارتوازية ومعدل سقوط الأمطار العالي توفر غطاء نباتيا كثيفا على مدار السنة , يوفر  للسكان مصدرا خصبا لقوتهم كما أن هذا الغطاء النباتي يساعد أيضا على تواجد طيور وحيوانات أليفة ودواجن تشكل مصدرا هاما لغذاء الإنسان , يضاف إلى ذلك أن الساحل الفلسطيني غني بالأسماك ومختلف أصناف الصيد البحري . فالنظام الغذائي في البلدة يعتمد على ما تنتجه الأرض الزراعية من حبوب وخضار وفواكه ونباتات طبيعية , علاوة على ما توفره من لحوم حمراء وبيضاء ومنتجات الألبان , غذاء غني ووافر يفي بحاجة الناس بكل يسر وسهولة.والآن استميح القارئ الكريم العذر أن أرسم صورة للعادات الغذائية في البلدة فقد يبدو ذلك للكثيرين من لغو الكلام فهو من البديهيات ولكن أعتقد أنه من الضروري توضيح هذه الصورة للأجيال القادمة والتي لم يقدر لها أن تعاصر الحياة في البلدة.

  • الخبز : الطعام الأساسي لإنسان البلدة يصنع من دقيق القمح أو الذرة وأحيانا الشعير أو مزيج من هذه العناصر خاصة في المواسم الرديئة وسنوات المحل التي كانت نادرا ما تحدث في المنطقة , يعجن الدقيق بعناية ثم يخبز في الطابون الذي يكاد لا يخلو منه منزل في البلدة. والطابون هو فرن بلدي يصنع من طين مخلوط بالتبن له شكل قبة قطرها حوالي 70 سم وارتفاعها حوالي 30 سم وفي وسطه الأعلى أو في فوهته فتحة صغيرة تتسع لدخول الرغيف تفرش أرضية الطابون بحصى صغير أملس يدعى رضف يحمي الطابون بطريقة بدائية ففي المساء يحاط بكمية من زبل البقر المجفف (الجلة) مع كمية من القصل تولع به النار فيبقى مشتعلا طوال الليل وفي الصباح يكون جاهزا لعملية الخبيز , حيث ترمى الأرغفة داخل الطابون وتنشل منه عند تمام النضج, يحرك الحصى باستمرار بما كان يسمى (المقحار) , والجدير بالذكر أن خبز الطابون هو الألذ طعما بين أصناف الخبز المتنوعة خاصة عندما يكون مصنوعا من دقيق القمح الصافي , فإذا كان من دقيق الذرة فهو الكردوش. وكثيرا ما كان الطابون يستعمل للطبخ , حيث يوضع القدر المصنوع من الفخار ( الوعاء المستعمل للطبخ آنذاك حيث لم يكن طناجر ألمنيوم) بما فيه من مكونات الطبخة على الرضف ويغلق عليه الطابون حتى ينضج على مهله. وعلاوة على الطوابين توفر في القرية عد من الأفران التي توفر حاجات المطاعم ومحتاجي الخبز الجاهز , كما تعتمدها بعض العائلات لتزويدها بالخبز اللازم.

     

  • الزيتون : زيت الزيتون هو الأدام الأساسي والأكثر استعمالا سواء في  الطبخ أو الأكل نيئا حيث يلزم ,وكانت البلدة تنتج كمية وافرة من الزيت تنتجها كروم الزيتون المغروسة في البلدة , كما كان السيرج وهو الزيت المستخرج من بذور السمسم يحتل مكانا بارزا في مطبخ القرية سواء للطبخ أو القلي أو تجهيز الأرز وذلك كبديل لمادة السمن ونادرا ما عرفوا أنواعا أخرى من الزيوت.

     

  • الخضار: تشكل الخضراوات بمختلف أنواعها مثل البندورة والبطاطا والبامية والملوخية والكوسا والباذنجان والقرع وغيرها من الخضراوات جزءا رئيسيا من الطعام اليومي للسكان. وعلاوة على هذه الأصناف المزروعة بعناية الإنسان كانت تنمو في أرض البلدة الكثير من الأعشاب التي يحتاجها الإنسان في طعامه مثل البقلة والحميض والخبيزة والسلق وأنواع أخرى , كما كان الفطر (الفقع) يظهر بغزارة في أراضي البلدة شتاء خاصة بعد حدوث البرق والرعد فيهرعون إلى جمعه ليصنعوا منه طعاما لذيذا ومغذيا وقد يفوق اللحم في قيمته الغذائية.

     

  • اللحوم: مع أن اللحوم لم تكن طعاما يوميا للناس خاصة قبل انتشار محلات الجزارة , ولم تكن الغالبية العظمى من الناس لا تراها إلا في المناسبات مثل الأعياد والاحتفالات وقدوم الضيف وما شابه ذلك , إلا أنه مع ذلك كان يتوفر للناس البديل من الدواجن والطيور مثل الدجاج والحمام والأرانب والبط والإوز  علاوة على الأسماك التي تصل أسواق القرية كل يوم.

     

  • الأطعمة المخزنة (المجففة):كانت ربة البيت تعني بتخزين أنواع الأطعمة لاستعمالها في فصل الشتاء عندما يعز وجود الخضار الطازجة فتقوم بتخزين  البقول من عدس وفول وحمص وفاصوليا وفريكة وبرغل علاوة على المخللات بأنواعها من زيتون أسود وأخضر وخيار و فقوس ولفت وبنذوره خضراء( عجر) مع بعض المربيات والألبان والأجبان كما تقوم بتجفيف بعض الخضار مثل البامية والملوخية و البندورة فتقوم بسد الحاجة عند اللزوم.

     

  • المفتول: طعام المناسبات الرئيسي هو المفتول تقوم النساء بعمله من دقيق القمح يتم إنضاجه  على البخار المتصاعد من قدر الفخر الذي يطبخ فيه اللحم وذلك بوضعه في إناء من الفخار يدعى (القوار) يثبت على قدر اللحم بلاصق من العجين بحيث لا يسمح بتسرب البخار منه . وبعد أن ينضج المفتول بسكب في صدر أو باطية من الفخار أو كرمية من الخشب يرش عليه قليل من الزيت (علشان ما يلبد) ثم يصب عليه الرق ويغطى الوعاء حتى يرنخ المفتول , فيقدم للأكل مع اللحم أو الدجاج ومعه يخنه مصنوعة من البصل وقليل من البندورة مع الحمص أو الفاصوليا أو القرع الأحمر حسب الذوق. أما طعام المناسبات الآخر فكان المنسف المكون من فتيت الخبز يغطى بالأرز واللحم ومعه أيضا اليخنه من البند وره وبعض الخضار حيث لم يكن شائعا استعمال اللبن في الطبيخ كما الآن.

     

  • مصادر اضافيه: تحرص المرأة الريفية دائما على توفير مصادر إضافية لغذاء العائلة فتقوم بتربية الحمام والدجاج والأرانب للاستفادة من بيضها ولحومها عند الحاجة, كما كانت تحرص على تربية خروف أو أكثر وتسمينه ليذبح في المناسبات الهامة وخاصة مناسبة عيد الأضحى ومما يشجع على ذلك توفر الأعشاب طوال السنة وخاصة في البيارات وعند ذبح هذه الخرفان كانت تعمد إلى تجهيز قسم من اللحم المتوفر فتقوم بفرمه وطبخه بشحمه ولحمه يملح ويبهر وعندما يبرد تقوم بحفظه في أوعية فخارية لاستعماله عند الحاج’ والبعض يدعو هذا اللحم المحفوظ بهذه الطريقة (القاورما).

     

  • الحلويات: من حلوياته التي يصنعونها في البيوت : كان أهالي البلدة يستعملون أنواعا من الحلوى يصنعونها في البيوت ومن أهم هذه الحلويات (المطبق) يتم صنعه من عجين القمح المرقوق بعناية على طبلية من الخشب بواسطة أداة خشبية تدعى الشوبك أسطوانية الشكل , يشبع العجين المرقوق بزيت الزيتون والسكر الناعم ويرش عليه القرفة المطحونة أحيانا يحشى بالجوز واللوز والفستق يطوى ثم يخبز في الطابون أو الفرن وعند انتشاله من الطابون يغمر في القطر المصنوع من السكر والذي يكون قد أعد سابقا. نوع آخر من  الحلوى كان شائعا استعماله وهو المهلبية المصنوعة من الحليب والنشا المستخلص من القمح والمعلى بالسكر وربما يضاف إليه أحيانا بعض المكسرات. أصناف أخرى شاع استعمالها مثل صينية الحلبة بالزيت والهريسة والزلابية وغيرها , وذلك علاوة على بعض الأصناف في مناسبات خاصة , ففي شهر رمضان المبارك يكثرون من أكل القطا يف بالجوز والجبن وفي أعياد الفطر والأضحى الكعك بالعجوة والمعمول بأنواعه , وفي المواسم مثل موسم النبي صالح والنبي روبين شاع استعمال نوعين من الحلاوة هما الحلاوة البيضاء (حلاوة القدوم) والحلاوة الصفراء القرعية المصنوعة من القرع الأصفر طرية ولذيذه.

     

  • الأسماك: نظرا لقرب البلدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط فقد كانت الأسماك الطازجة تؤلف جزءا هاما من طعامهم ومن أشهر أنواع السمك المحببة لديهم سمك سلطان إبراهيم وهو من أشهر أنواع السمك على الإطلاق وكان لهم طريقة محببة في تجهيزه حيث يشوى في الطابون مع قليل  من البصل وحساء البندورة كما شغفوا أيضا باستعمال سمك كلب البحر وهو نوع من الأسماك الكبيرة يقطع لحمه في صاج ملئ بالزيت وكان موجودا بكثرة الفلافل في أسواق البلدة حيث تخصص كثيرون من شباب البلدة ببيعه في الأسواق وخاصة في يوم السبت( يوم السوق الأسبوعي) ومن أشهر بائعي هذا النوع من السمك في البلدة المرحوم فارس شلبايه الذي كان يتفنن في تجهيزه . وبالإضافة للأسماك الطازجة فقد أولع الكثيرون باستهلاك الأسماك المملحة والمحفوظة مثل الفسيخ المحفوظ بالملح والسمك المدخن السر يده وكذلك البلميده واللاكيردا من فيليه الأسماك كانت تستورد عادة من تر تركيا واليونان.

 
 
 
 
 
 
 


Al-Abbasiyya 2007